أحمد أمين

54

كتاب الأخلاق

نشوء الوجدان : كثير من الحيوانات التي تعيش جماعات تخضع لعادات تعورفت فيما بينها ويكون مخالفها محلا للعقوبة من سائر القطيع . ويظهر أن كل فرد منها يشعر نوعا من الشعور أن هناك أشياء يجب أن تعمل ، وأشياء يجب أن تترك . والكلاب من هذا القبيل ، عندها نوع إدراك طبيعي للواجب ، ويرقى هذا الشعور بمخالطتها للإنسان ؛ حتى لنرى الكلب قد يفعل في الخفاء جرما كأن يسرق شيئا من سيده ، ويخالفه في أمر أمره به ، فيظهر على الكلب نوع من الاضطراب والقلق يعد جرثومة للوجدان ، فإذا رقي كان هو الذي نشاهده في الإنسان . ولما كان الإنسان بطبعه ميالا لأن يعيش عيشة اجتماعية خلق وفي طبيعته الميل إلى عمل ما يرضي مجتمعه ، والنفور مما يخالفه ، حتى لنرى جرثومة ذلك في الطفل الصغير ، يعلوه الخجل أحيانا فنتبينه في نظرته ، ويدلنا اضطرابه وقلقه على أنه ارتكب خطأ ، وينمو هذا الشعور بنمو الإنسان . حتى يصل إلى حد أن يملأه الفرح والغبطة إذا هو أدى الواجب ، ويذوب أسفا وندما إذا عصا ما يأمر به الوجدان . هذا الشعور طبيعي عند الناس حتى عند من لم يتعلم ، والتربية ترقيه كما ترقي كل قوى الإنسان وملكاته ، فالمتوحش عنده الشعور في حالة السذاجة ، كشأنه في حديثه وعرفه وحالته الاجتماعية ، والمتمدين عنده هذا الشعور في حالة راقية ، حتى قد يدفعه إلى بذل نفسه دفاعا عن حرية قومه . اختلاف الوجدان : من هذا يمكن أن نفهم أن الوجدان يختلف اختلافا كبيرا بين الأمم حتى المتمدينة منها ، فهي مختلفة في تقويم الخير والشر ، ويتبع ذلك اختلافها في الوجدان ، فالكسل في البلاد الباردة أشد مقتا منه في البلاد الحارة ، وكذلك الصدق والشجاعة والعدل وسائر الفضائل ، فإن الأمم - وإن اتفقت في عدها فضائل - لا

--> - من الوجدان على عمل لا يشعر آخر بأن فيه شيئا من الشر ، وخير الناس من علا مثله واشتد شعوره ووجدانه . انظر : dLeifdaH yb sLaroM ygoLohcysP .